عمر السهروردي

587

عوارف المعارف

وقد يريدون بالجمع والتفرقة أنه إذا أثبت لنفسه كسبا ونظر إلى أعماله فهو في التفرقة ، وإذا أثبت الأشياء بالحق فهو في الجمع . ومجموع الإشارات ينبئ أن الكون يفرق ، والمكون يجمع ، فمن أفرد المكون جمع ، ومن نظر إلى الكون فرق ، فالتفرقة عبودية ، والجمع توحيد ، فإذا أثبت طاعته نظرا إلى كسبه فرق ، وإذا أثبتها باللّه جمع ، وإذا تحقق بالفناء فهو جمع الجمع ، ويمكن أن يقال : رؤية الأفعال تفرقة ، ورؤية الصفات جمع ورؤية الذات جمع الجمع . سئل بعضهم عن حال موسى عليه السلام في وقت الكلام فقال : أفنى موسى عن موسى ، فلم يكن لموسى خير من موسى ، ثم كلم فكان المكلم والمكلم هو ، وكيف كان يطيق موسى حمل الخطاب ورد الجواب لولا بإياه سمع . ومعنى هذا أن اللّه تعالى منحه قوة بتلك القوة سمع ، ولولا تلك القوة ما قدر على السمع . ثم أنشد القائل متمثلا . وبداله من بعد ما اندمل الهوى * برق تألق موهنا لمعانه يبدو كحاشية الرداء ودونه * صعب الذرى متمتع أركانه فبدا لينظر كيف لاح فلم يطق * نظرا إليه ورده أشجانه فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه * والماء ما سمحت به أجفانه ومنها قولهم : التجلي والاستتار . قال الجنيد : إنما هو تأديب وتهذيب وتذويب ، فالتاديب محل الاستتار وهو للعوام ، والتهذيب للخواص وهو التجلي ، والتذويب للأولياء وهو المشاهدة . وحاصل الإشارات في الاستتار والتجلي راجع إلى ظهور صفات النفس ، ومنها الاستتار ، وهو إشارة إلى غيبة صفات النفس بكمال قوة صفات القلب . ومنها التجلي ، ثم التجلي قد يكون طريق الأفعال ، وقد يكون بطريق الصفات ، وقد يكون بطريق الذات ، والحق تعالى أبقى على الخواص موضع